ابن كثير
44
السيرة النبوية
أهلي ، فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عنى الباطل ، وعرفت أنى لن أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب ، فأجمعت صدقه . وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل . فجئته ، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال : " تعال " فجئت أمشى حتى جلست بين يديه ، فقال لي : " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " فقلت : بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر - ولقد أعطيت جدلا - ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه إني لأرجو فيه عفو الله ، لا والله ما كان لي من عذر ، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضى الله فيك " . فقمت فثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ؟ وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي . ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفي